الأحد، 20 نوفمبر، 2011

سر نجاح لينكس

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

في التدوينة السابقة نقلنا رأي طانينبوم القائل بأن لينكس نجح لأنه ظهر في الوقت المناسب. في الحقيقة هذا اعتقاد يشاركه فيه الكثير منهم ريتشارد ستالمان رئيس مؤسسة البرمجيات الحرة و منهم مطور لينكس نفسه لينوس تورفالدز.

في سنة 1991، بعد أكثر من عقد من ظهور ثم انتشار الحواسيب الشخصية، كانت الأنترنت قد خرجت من مخابر البحث و التطوير إلى العالم الرحب، حيث الشركات و المجتمعات و الأفراد. و كان من أهم المستفيدين من هذه الطفرة التقنية فلسفة البرمجيات الحرة و مجتمع المصادر المفتوحة، اللذان توسعا بسرعة كبيرة ليصلا إلى عامة الناس بعد أن كانا أيضا محصورين في الجامعات و في بعض الأوساط الخاصة. لقد سهلت الأنترنت هذا التوسع لأنه صار من الممكن تنزيل أنظمة تشغيل و برامج مجانية للحواسيب الشخصية في شكل حزم متفرقة (و لاحقا في شكل توزيعات متكاملة) و أصبح من اليسير الحصول على المساعدة اللازمة لبناء هذه البرامج و تثبيتها عن طريق البريد الإلكتروني و الوثائق المطروحة على الشبكة و المنتديات و غرف الحوار.

للمقارنة، كان الحصول على نظام تشغيل أو برنامج مفتوح المصدر في سبعينات و ثمانينات القرن الماضي مقتصرا على المختصين في  مخابر الحواسيب. كان أحدهم يراسل جامعة بركلي للحصول على نسخة من الـBSD في شريط مغناطيسي عبر البريد ثم يقوم بتعديله كي يعمل على الحاسوب الكبير في مخبره.  و إذا أراد الحصول على مصنف لغة C أو محرر النصوص emacs أو بقية أدوات مشروع جنو فهو أيضا يراسل ستالمان في معهد MIT و ينتظر البريد.

بداية التسعينات كانت إذا الوقت المناسب لانتشار البرمجيات الحرة و المصادر المفتوحة على نطاق واسع لتوفر التقنية.  لكن للاستفادة من هذه البرامج  كان لا بد من نظام تشغيل صلب تعمل عليه. في ذلك الوقت كان أفضل نظام مفتوح هو الـBSD لكنه لسوء حظه كان يعاني من الدعوى القضائية التي رفعتها ضده الشركة المالكة ليونيكس. كان الخوف مما ستؤول إليه هذه الدعوى سببا كافيا في عزوف الكثيرين عنه و خاصة الشركات.

في المقابل كان مشروع جنو يوفر نظاما عمليا مكونا من المصنف gcc و مكتبة النظام glibc و أدوات أساسية أخرى، إلا أنه كان يفتقد نواة جاهزة. لقد كان تطوير نواة "هيرد" يسير ببطء نظرا لحداثة تقنية الميكرو نواة التي اعتمدها مشروع جنو و لعدم اقتناع الكثيرين بمزاياها و نفورهم من سلبية البطء في التنفيذ إذا ما قورنت بتقنية النواة المتراصة (monolithic kernel) التقليدية.

كانت هناك أيضا بدائل أخرى على الساحة أبرزها نواة مينكس. هذه الأخيرة لم تكن موجهة للاستعمال العام و لهذا لم تبلغ النضج المطلوب كي تخرج من قاعات التدريس إلى محيط الإنتاج.

في هذا الوقت بالذات طرح لينوس مصدر نواته في الإنترنت فجاءت كالمفاجئة السارة التي سدت النقص الموجود في مشروع جنو. و بسبب رخصة لينكس الحرة التف حلوها المجتمع لتنطلق عملية تطوير نظام متكامل مفتوح المصدر من دون عوائق. لقد ساهم العديد من المبرمجين المنفردين و كذلك الشركات من كل أنحاء العالم في نمو لينكس بسرعة كبيرة. و اليوم صار جنو لينكس النظام الرائد في الكثير من المجالات كخوادم الشبكة و الهواتف الذكية و الأنظمة المُضمنة و غيرها.

إذا كان توقيت الظهور عاملا أساسيا في نجاح لينكس، لكن كيف بقي لينوس على رأس فريق التطوير طيلة عقدين من الزمن؟ إننا نشاهد الكثير من المشاريع المفتوحة التي يتغير فيها القائد بشكل دوري أو تحدث فيها انشقاقات أو تندثر مع الوقت ؟

لعل الجواب البديهي هو أنه مؤسس المشروع و أعرف الناس بخباياه. لكن هذا لا يكفي لتفسير هذا النجاح المتواصل لأننا نرى كثيرا من المشاريع أيضا انسحب منها المؤسسون أو حتى أبعدوا عنها و لا زالت مستمرة. زيادة على هذا، دور لينوس منذ مدة ينحصر في مراجعة الإضافات و قبولها في النواة و هناك مساعدون له أعرف منه بالأجزاء التي يشرفون عليها !

الجواب على هذا السؤال يأتينا من لينوس نفسه من خلال حوار أجراه مؤخرا. عندما سُئل عن عدد الأشخاص الذين يمكنهم قيادة  المشروع فقال:
نحن نعمل في شبكة متخصصين مبنية على الثقة. مجموع خبراتنا التقنية هائل و يوجد من بيننا عدد من الكفاءات يفوق العشرة يستطيع كل منهم قيادة المشروع. أنا لست قائدا بارعا لأنني أحسن من البقية على المستوى التقني - حتى و إن كنت أود اعتقاد هذا - و لكني قائد يحسن تسيير لينكس لأن باقي المطورين يثقون في. هم لا يعتقدون بالضرورة أني اتخذ أفضل القرارات، و لكنهم يثقون في كوني أتراجع على القرارات الخاطئة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق