الخميس، 4 ديسمبر، 2014

اقتباس من شعر لأحد أصحاب المعلقات

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

استشهد الفاضل مصعب الزغبي في منتدى لينكس العربي بشعر للحارث بن حلزة وهو من أصحاب المعلقات، قال في أبيات جميلة:

لِمنِ الدِّيارُ عفونَ بالحَبسِ آياتُها كمهارقِ الفُرسِ
لا شيءَ فيها غيرُ أَصْورة ٍ سُفْعِ الخُدودِ يَلحنَ في الشَّمسِ
وغيرُ آثَـارِ الجيادِ بأعْـ ــراضِ الجمادِ وآية ِ الدَّعسِ
فحَبْستُ فيها الرَّكبَ أَحدِسُ في جُلِّ الأمورِ وكنتُ ذا حَدسِ
حَتَّى إذا کلْتَفَعَ الظِّبَاءُ بِأطْـ ـرَافِ الظّلاَلِ وَقِلْنَ فِي الكُنْسِ
وَيَئِسْتُ مِمَّا كَانَ يَشْعَفُني فيها ولا يُسليكَ كـاليأسِ
أنمِي إلى حرفٍ مُذَكَّرة ٍ تهصُ الحَصا بمواقعٍ خُنسِ
خَذِمٍ نَقَائِلُهَا يَطِرْنَ كَأقْـ ـطَاعِ الفِرَاءِ بِصَحْصَحٍ شَأْسِ
أفَلا نُعدّيها إلى مَلِكٍ شهمِ الَمقَادة ِ حازمِ النَّفسِ
فَإِلى کبْنِ مَارِيَة َ الجَوَادِ وَهَلْ شَرْوَى أبي حَسَّانَ في الإنْسِ
يحبُوكَ بالزَّغفِ الفيُوضِ على هِميانِهَـا والدُّهمِ كالغَرسِ
وَبالسَّبِيْكِ الصُّفْرِ يُعْقِبُهَا بالآنِسَاتِ البِيضِ واللُّعْسِ
لا مُمْسِكٌ لِلْمَالِ يُهْلِكُهُ طَلْقُ النُّجُومِ لَدَيْهِ كالنَّحْسِ
فَلَهُ هُنَالِكَ لا عَلَيْهِ إذا رغمتْ أُنوفُ القومِ للتعسِ


فاقتبستها مستعينا بالله، مراعيا الوزن والقافية قدر المستطاع، ومجتهدا في المعنى المناسب لرواد المنتدى: 


لِمَنِ البرامج عَفَوْنَ بتحزيم بياناتها في ملفات القرص
لا شَيءَ فيها غيرُ بيتان واحدٌ وصفرٌ يلوح كالفلس
وغيرُ آثار النوافذ  بأَعْـ ـرَاضِ الشاشات وآية القبس
فَفتحتُ فيها المصدر أَحْدِسُ في جُلِّ اللغات وكنتُ ذا حَدْسِ
حَتَّى إذا کلْتَفَعَ الجافا بأَطْـ ـراف الدوال وقِلْنَ في إكْلِبسِ
وَيَئِسْتُ مِمَّا كَانَ يَشْعَفُني فيها ولا يُسليكَ كـاليأسِ
أَنْمِي إِلى متصفحٍِ عريقٍ يُحمِّلُ الْخوارزميات بِمَوَاقِعٍ خُنْسِ
خَذِمٍ أوامرهَا يَطِرْنَ كأَقْـ ـطَاعِ الحسابات وقوة الأُس ِ
أفَلا نُعدّيها إلى مُبرمِجٍ شهمِ الَمقَادة ِ حازمِ النَّفسِ
فَإِلى ستالمان الجَوَادِ وَهَلْ شَرْوَى تُورفَالدِسَ في الإنْسِ
يحبُوكَ بالمُترجِمِ الفيُوضِ على لهجاتهَـا والسي بلاس بلاسٍ
وَبالبرامجِ الحُرّةِ يُعْقِبُهَا بالبي أس دي ولينكس
لا مُمْسِكٌ لِلْمَالِ يُهْلِكُهُ طَلْقُ الوثائق لَدَيْهِ كأوفيسِ
فَلَهُ هُنَالِكَ لا عَلَيْهِ إذا رغمتْ حَواسِيبُ القومِ للفيروسِ

[تعديل] هذا شرح الأبيات المقتبسة :

لِمَنِ البرامج عَفَوْنَ بتحزيم بياناتها في ملفات القُرصِ
البيت الأول هو افتتاحٌ بالوقوف على الأطلال على عادة الشعر الجاهلي، لكنها ليس أطلال الحبيب بل أطلال البرامج التي عفى عليها الزمن في الإصدارات القديمة، فلم يبق منها إلا حِزمٌ في شكل ملفات rpm أو deb أو غيرها محفوظة في الأقراص.
لا شَيءَ فيها غيرُ بيتان واحدٌ وصفرٌ يلوح كالفلس
وهذه الملفات لاشيئ فيها للناظر المُدقق غير رمزي النظام الثنائي binary الذي بُنيت عليه الحواسيب، فهي سلاسل من الواحد والصفر الذي يشبه قطعة النقد المُدورة الفلس.
وغيرُ آثار النوافذ بأَعْـ ـرَاضِ الشاشات وآية القبس
ولم يبق من آثار البرامج البالية إلا نوافذها التي ترتسم لزائرها بالتنفيذ على شاشات الحواسيب، والحواسيب المقصودة هنا هي المكتبية، بدليل ذكر آية، أي علامة، استعمال النوافذ وهي القبس بمعنى النقر على زر الفأرة. والفأرة كما هو معلوم في دوواين هذا الفن ملازمة لهذا النوع من الواجهات الرسومية. وقد سبقها في زمن مضى لون آخر هو ألواح المفاتيح الملازمة لبرامج الصدفة وسطر الأوامر. ثم تلتها آية اللمس التي تُميّز الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية. وكأن الشاعر هنا يرثي أسطح المكتب لمعاصرته بزوغ شمس الحوسبة المحمولة.
فَفتحتُ فيها المصدر أَحْدِسُ في جُلِّ اللغات وكنتُ ذا حَدْسِ
وكي يعزي نفسه، قام شاعرنا باستخراج مصادر هاته البرامج، ثم فتْحها والحدْس فيها، أي التفكير فيما كُتبت به من عديد لغات البرمجة التي يتقنها والتي له معها خبرة كما يدل عليه عجز هذا البيت.
حَتَّى إذا کلْتَفَعَ الجافا بأَطْـ ـراف الدوال وقِلْنَ في إكْلِبسِ
کلْتَفَعَ لفظة غريبة لم يجدها شارح الأبيات عند ابن منظور. لكن في بعض نسخ القصيدة الأصلية ورد مكانها "التفع" بمعنى تَغطّى فيكون قصْد الشاعر أن دوال لغة الجافا Java methods غطّت على باقي مكوناته ثم ذهبت تقيل، أي تنام، في إكلبس Eclipse وهي بيئة تطوير يعرفها أصحاب هذا الفن، اسمها لاتيني، يرادفه في العربية الخسوف. وكأن الشاعر استعار لفظ "تقيل" الذي يدُل على النوم وقت الظهيرة ليخبرنا أن الدوال تنام حين يحجب القمر ضوء الشمس. بل ربما يرمي إلى معنى أبعد من ذلك بالكناية عن بطء بيئة إكلبس إلى درجة نوم البرامج فيها!
وَيَئِسْتُ مِمَّا كَانَ يَشْعَفُني فيها ولا يُسليكَ كـاليأسِ
تقول العرب شعَف الحبُ فلانا أي أمرضه وأحرق قلبه ويبدو أن المصادر المفتوحة فعلت نفس الشيئ بشاعرنا حتى أصابه اليأس وصار يتسلى به.
أَنْمِي إِلى متصفحِ عريقٍ يُحمِّلُ الْخوارزميات بِمَوَاقِعٍ خُنْسِ
بعد فتح مصادر البرامج لجأ الشاعر إلى المتصفح العريق فايرفوكس كي يوزع خوارزمياتها لنضرائه في فنه ولكل مستمعيه، عفوا لكل مستخدمي برامجه، وذلك بتحميلها في مواقع خُنس في الويب، أي خفية على العامة، لكن يعرفها أصحاب هذا الشأن ممن يرتادون منتدى لينكس العربي وأشباهه.
خَذِمٍ أوامرهَا يَطِرْنَ كأَقْـ ـطَاعِ الحسابات وقوة الأُس ِ
هاته الخوارزميات لها أوامر خَذِمٍ، أي سريعة، تطير بين ذاكرة الحاسوب ومعالجه في شكل عمليات حسابات رياضية قوية، تضاهي قوتها دالة الأس المعروفة.
أفَلا نُعدّيها إلى مُبرمِجٍ شهمِ الَمقَادة ِ حازمِ النَّفسِ
في هذا البيت يفصح الشاعر عن سبب فتحه وتوزيع مصادر برامجه، إذ يريد أن يشاركه في تطويرها كل مبرمج شهم المقادة حازم النفس.
فَإِلى ستالمان الجَوَادِ وَهَلْ شَرْوَى تُورفَالدِسَ في الإنْسِ
هنا يضرب مثالين شهيرين عن المبرمج الشهم الحازم وهما ريتشارد ستالمان ولينوس تورفالدس ولهما إسهامات كبيرة في نشر وتطوير البرمجيات الحرة يأتي ذكرها قريبا.
يحبُوكَ بالمُترجِمِ الفيُوضِ على لهجاتهَـا والسي بلاس بلاسٍ
المقصود بالمترجم الفيوض هو مترجم gcc الذي حبانا، أي أكرمنا، به ستالمان في ثمانينات القرن الماضي ففاض على كل المنصات وكل معماريات الحواسيب ثم دعم جل لهجات لغة السي كـANSI وC99 ثم انتقل إلى دعم لغات برمجية أخرى كـ C++وغيرها.
وَبالبرامجِ الحُرّةِ يُعْقِبُهَا بالبي أس دي ولينكس
ثم تلى gcc برامج حرة أخرى كمحرر Emacs ونظام التشغيل BSD ونواة Linux.
لا مُمْسِكٌ لِلْمَالِ يُهْلِكُهُ طَلْقُ الوثائق لَدَيْهِ كأوفيسِ
في هذا البيت ينفي الشاعر صفة البخل عن كل مساهم في مجتمع البرمجيات الحرة والمصادر المفتوحة، إذ المال يُقصد به هنا كل شيئ مملوك خصوصا الملكية الفكرية. كما يضرب مثالا عن كرم هؤلاء المساهمين بتحريرهم للوثائق كما في طاقم البرامج المكتبية LibreOffice الذي يطلق سراح صيغة الملفات نفسها. وهذا أسلوب مدح ينطوي أيضا على ذمٍ غير مباشر للإحتكاريين من أصحاب البرامج المغلقة.
فَلَهُ هُنَالِكَ لا عَلَيْهِ إذا رغمتْ حَواسِيبُ القومِ للفيروسِ
في الختام يستعمل شاعرنا أسلوب الفخر بالحرية الرقمية ممزوجا بالتهكم من أصحاب الحواسيب التي لا زالت أسيرة الفيروسات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق